الخميس 17 صفر 1441 | 17 تشرين1/أكتوير 2019

لا تكثرِ تخرق قلبك!

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

لا تكثرِ تخرق قلبك!

 

محاسن الشرهان

كل ما يمرُّ بالإنسان خلال يومه مِن مواقفَ وأحداثٍ، ومشاهدة صورٍ حزينة أو مخيفة، أو جميلة، أو غيرها، أو سماع قصصٍ ومواقفَ، كلُّ ذلك له أثرٌ في قلب الإنسان.

وكل شعور يشعُر به الإنسانُ خلال يومه من حزنٍ أو فرحٍ، أو غضبٍ أو إحباطٍ، أو خوفٍ، فإن له أثرًا في قلبه.

كل عملٍ يعمَله الإنسان بجوارحه من أعماله اليومية التي يُسميها البعضُ روتينية، فإنها تؤثر في قلبه، وبالمناسبة، الكثير يقول: يومي لا جديد فيه، وعملي روتيني!

هذه الأعمال تصنَّف حسبَ ثمراتها وفائدتها، فما كان فيه خيرٌ وصلاح للإنسان في ذاته، أو من حوله، فهو من الأعمال الصالحة التي يؤجر عليها؛ كالنوم والأكل والنظافة، وغيرها من الأمور الاعتيادية، فهذا عملٌ يؤدي الإنسان فيه حقًّا من الحقوق التي عليه، وهو حقُّ نفسه وأسرته وغيرها.

وإن كان العمل الروتيني عملًا منكرًا أو محرَّمًا، فله تأثيرٌ سيئ في القلب بحسب تَكرار العمل وتعلُّق الإنسان به.

حتى النية التي قد يظنُّها البعض بسيطة، فإنها تكون في القلب، لكنها تُحبط العملَ، وهي ميزان صلاح الأعمال في الدنيا وقَبولها عند الله: (إنما الأعمالُ بالنيَّات، وإنما لكلِّ امرئ ما نوى).

إذا تقرَّر هذا فإن كلَّ أمرٍ من أمورك يؤثرُ على قلبك، وكل حسنة تعمَلها، فإنها تغذِّي قلبك بمادته ونوره، والحسنة بعشر أمثالها، وكل سيئة تعمَلها، فإنها تؤذي قلبك بظلامها ونَتنِها، وما قد يُصيبك في يومك من أذًى، أو همٍّ وغَمٍّ، فإنه من آثارها وبعض مَحو الله لذنوبك.

فإذا تأثَّر القلب بذلك، فإنه يعود فينعكس على الجوارح بتأثيره، فإن القلبَ كما أنه يتأثَّر بالدم المحمل من الجوارح عبر الأوردة ويُنقِّيها، ثم يُعيدها بحسب نقاوتها إلى الجوارح عبر الشرايين، وكذلك يُصيب القلب إجهادٌ بحسب ما يُصيب الجوارح من إجهاد، فالركض يزيد في سرع نبضِ القلب، وكذلك المرض وغيره.

فكذلك أعمال الجوارح كلها تَصُبُّ تأثيرُها على القلب، فتُصيبه بالقوة، فيَصُبُّ القلبُ قوتَه ونشاطه على الجوارح، فيَصلُحُ الجسمُ، وتجرُّ الحسنة أختها، ويَنشَطُ الإنسان للخير، وعلى العكس فإن كانت أعمال الجوارح سيئةً أو منكرة، فإنها تَصُبُّ تأثيرُها على القلب، فيُصاب بالوهن والضَّعف، فيعود يَصُبُّ وهنَه وضَعفَه على سائر الجسم، فيَفسُد الجسدُ، وتجرُّ السيئة أختها، ويَكسَل الإنسان عن عمل الخير.

فتأثير الأعمال على القلب:

هو مصداق الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه: عن حذيفة بن اليمان رحمه الله قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (تُعرض الفتنُ على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلبٍ أُشربها نُكِت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نُكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا، فلا تَضرُّه فتنةٌ ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مُربادًّا كالكوز مُجخيًا، لا يعرف معروفًا، ولا يُنكر منكرًا إلا ما أُشرب من هواه).

وتأثير القلب على الأعمال:

هو ما روي في الحديث المتفق عليه:

عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ألا وإن في الجسد مُضغة إذا صلَحت صلح الجسدُ كلُّه، وإذا فسَدت فسد الجسدُ كلُّه، ألا وهي القلب).

يقول الحافظ ابن رجب رحمه الله: (ويلزمُ من صلاح حركات القلب، صلاحُ حركات الجوارح).

فالخلاصة أن تأثير الجوارح على القلب يعود بها القلب على الجوارح؛ يقول عثمان بن عفان رضي الله عنه: (لو طهُرت قلوبُكم ما شبِعتم من كلام ربِّكم)، لذلك لا بد على الإنسان أن يعتني بجوارحه من أجل قلبه، وألا يُكثر تخرُّقَ قلبه بما يؤذيه ويَجرحه من المشاهد والعلل والذنوب، والكلام السيئ والمنكرات، فيعود القلب بعِلَّته على الجوارح فيعتل الجسمُ.

وليُقبل على القرآن؛ فبه صلاحُ قلبه وجوارحه؛ لأنه من عند الله ربِّ الأرباب، ومُصرف القلوب والأبصار، وليُبادِر إلى الأعمال الصالحة التي بها صلاحه وفلاحُه

طباعةالبريد الإلكتروني